حسن حنفي

134

من العقيدة إلى الثورة

ونظرا لصعوبة ايجاد حل وسط بين الجبر والحرية عقلا فإنه يتم التوحيد بينهما بالايمان . والايمان ليس برهانا ما لم يكن ايمانا نظريا ، فالعقل أساس الوحي . واللجوء إلى الايمان تملق للعوام ومحو للفكر واثبات للغموض . والعجيب أن يكون هذا موقف بعض حركات الاصلاح ! وكيف يحدث اصلاح على أساس الايمان دون العقل ، والتقليد دون الفهم خاصة لو كان الملجأ في النهاية هو التصوف الّذي به يستطيع الانسان هتك الاسرار ورفع الحجاب ! وصحيح أن العقل قد تتغلف بديهته ، وقد لا يعطى معاني بقدر ما يستخدم الالفاظ . ومع ذلك فالبديهة ممكنة والعبارة الواضحة جائزة . ليس العقل هبة معطاة بل امكانية عقل تمارس بالنظر . ويمكن اثبات الحرية للجمهور اثباتا عمليا دون التقيد بالضرورة بالأساس النظري وتحليل الخبرات ، حرية الدفاع عن الحق ، وحرية تقرير المصير ، وحرية الحصول على الخبز . فهذا يمنع من التقليد لان التقليد في ذاته محو لحرية الفكر والحركة « 235 » .

--> ( 235 ) أما البحث فيما وراء ذلك من التوفيق بين ما قام عليه الدليل من إحاطة علم الله وارادته وبين ما تشهد به البداهة من عمل المختار فيما وقع عليه الاختيار فهو من طلب سر القدر الّذي نهينا عن الخوض فيه ، واشتغلنا بما لا تكاد تصل العقول إليه . وقد خاض فيه المغالون من كل ملة خصوصا من المسيحيين والمسلمين ، ثم لم يزالوا بعد طول الجدال وقوفا حيث ابتدءوا . وغاية ما فعلوا أن فرقوا وشتتوا . فمنهم القائل بسلطة العبد على جميع أفعاله واستقلاله المطلق ، وهو غرور ظاهر . ومنهم من قال بالجبر وصرح به ، ومنهم من قاله به وتبرأ من اسمه وهو هدم للشريعة ومحو للتكاليف وابطال لحكم العقل البديهي وهو عماد الايمان . الرسالة ص 61 ، وأما التطلع إلى ما هو أغمض من ذلك فليس من مقتضى الايمان كما بينا وانما هو من شره العقول في طلب رفع الاستار عن الاسرار ، ولا أنكر أن قوما قد وصلوا بقوة العلم والمثابرة على مجاهدة المدارك إلى ما اطمأنت به نفوسهم وتقشعت به حريتهم ولكن قليل ما هم . على أن ذلك نور يقذفه الله في قلب من يشاء ، ويخص به أهل الولاية والصفاء . وكثر ما ضل قوم وأضلوا . وكان لمقالاتهم أسوأ الأثر فيما عليه حال الأمة اليوم ، الرسالة ص 63 ، ولو شئت لزدت في بيان ذلك ورجوت أنه لا يبعد عن عقل ألف النظر الصحيح ولم تفسد فطرته بالمماحكات اللفظية ولكن يمنعني عن الإطالة فيه عدم الحاجة إليه في صحة الايمان ، وتقاصر عقول العامة من ادراك الامر في ذاته مهما بالغ المعبر عنه في الايضاح عنه واعتياد قلوب